محمد بن زكريا الرازي

511

الحاوي في الطب

تكون إلا لغب . وأنزل أنه إن كان في اليوم الثاني نوبة حمى بلغم وقد وصفنا علاماتها ، فينبغي أن تنظر في أوقات النوبتين لتتقدم فتعلم كيف تكون الحال في اليوم الثالث ، لأنك إن قدرت أن نوبة الغب تأتي في أول ساعة من اليوم الثالث وأن نوبة البلغمية تأتي في الحادية عشرة علمت أن ابتداء كل واحدة منهما يكون أبين ، وإن قدرت أن ابتداء النوبتين يكون جميعا في وقت واحد علمت أنه لا بد أن تكون النوبة مختلطة ، ومن أحسن أن يميز فهو يرى شيئا كأنه ممزوج من دور غب ومن حمى بلغم تنوب كل يوم ثم يصح لك تمييزها في اليوم الرابع على أن أمرها قد كان معروفا بينا في اليوم الثاني عند من له دربة ومتى كان التركيب من دائرة ولازمة كان الوقوف عليه أصعب ، ومن هذا ظن قوم أنه لا يكون هذا التركيب لأنهم ظنوا أنه يلزم من قال بهذا التركيب أن يقول إن الإنسان محموم لا محموم في حال واحدة ، إلا أن من يعرف طبائع الحمى بالحقيقة يعلم أن هذا التركيب يكون . فإني قد رأيت امرأة تأخذها في الأيام الأزواج نوبة وقشعريرة معها جميع الأمارات التي لأنطر طاوس وتأخذها في الأيام الإفراد إما في أول النهار فحمى أضعف كثيرا من الحمى التي كانت قبلها في اليوم الزوج ، حتى توهم المتوهم أن هذه الحمى الكائنة في أول النهار في اليوم الفرد إنما هي الحمى المركبة الكائنة في اليوم الزوج كرت في اليوم الفرد كما من عادتها أن تكر وأما نحو الساعة الثامنة من النهار فكانت تأخذها حمى معها نافض قوي وجميع أمارات الغب ثم كانت صولة هذه الحمى تنكسر نحو الساعة الثالثة من الليل بعرق وقيء مراري صفراوي ويمتد بقاياها إلى الساعة الثانية من النهار من اليوم الزوج ، فإذا شارفت هذه النوبة الإقلاع تبعها أيضا من الرأس النوبة الأخرى التي معها قشعريرة واختلاف التي قلت إنها كانت تأتي في الأزواج كانت تلبث هذه الحمى النهار كله من حيث تحفز مرة وتبطىء مرة وتكر مرة وتظهر ثم تكر ما كانت تنتهي منتهاها في وقت غروب الشمس ثم كانت تبتدىء تنحط نحو الساعة الرابعة من الليل ثم مع الصبح أيضا ، وقد بقيت من الحمى المتقدمة بقية كثيرة تتزيد الحمى زيادة ليس فيها اختلاف وتتصل تلك الحرارة وتزيد إلى تلك الساعة الثانية ، فإذا ظننت أنها قد بلغت منتهاها وتبين ذلك تبعت هذه الحمى نوبة أخرى هي بالصحة نوبة غب ، فلما تفقدت أمر هذه المرأة في اليوم الأول والثاني سنح لي في اليوم الثاني أن حماها مركبة من الأنطريطاوس ومن غب ثم صحت عندي معرفتها أكثر مما كانت كثيرة في اليوم الثالث ورجوت أن تنقضي أدوار إحدى الحميين - وهي الغب - سريعا وتطول المركبة فكان كذلك ، وتبين عند انقضاء الغب الخالصة أن الذي بقي من حماها الأنطريطاوس وكان ابتداء دورها في الزوج وتكر في الفرد كرا قليلا لكن هذا التركيب وأشباهه لا يصل إليه اليسير من العلم . فأما من رأى في اليوم الأول نوبة غب خالصة ثم رأى في اليوم الثاني مثل الأول علم أنهما غبان ، وعلى هذا المثال قد تكون ثلاث حميات غب وبلغمية وربع وليس أخذها كل يوم بمغلط لمن عرف طبعها وقد يمكن ألا يخلو بدن مريض من الحمى في حال ، وتكون حماه حميات كثيرة مقلقة كلها ، لكن نوائبها تسبق قبل انحطاط التي تنحط وأكثر ما